الأحد، 20 فبراير، 2011

تعقيبا على أحمد العرفج: ما هكذا يتحدث المختص يا "عرفج"!!

الصورة الرمزية محمد الراشديربما لو لم تكن مقالة "الإسراف اللغوي " المنشورة بعدد الأربعاء بتاريخ 15/ 7/1427 مصدرة باسم كاتبها الأستاذ أحمد العرفج ، وصورته "الأنيقة " ، ومدرجة ضمن حبره الأسبوعي الأصفر ، ربما لولا ذلك لكنت في حل من الاعتقاد أن كاتب تلك المقالة ليس أكثر من أعجمي كسول ، من أولئك الملتحقين حديثا بمعاهد تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها، وقد راعه ما رأى من اتساع اللغة ،وتعداد مفرداتها , وانفساح أفقها , فأدرك أنه لا محالة عاجز عن بعض مايرى- فضلا عن الكل – وحينها آثر البقاء على عجمته , ولم يكتف بذلك بل راح يكيل السباب لما قصر به كسله عن إدراكه , منحازا إلى بلادته واعوجاج لسانه وعظيم كسله ، متمثلا: 
.

إن البلادة والكسل أحلى مذاقا من عسل!
غير أن كل الشواهد تثبت أن من " أخرج" المقالة هو ذاته صاحب الحبر الأصفر ، والكلام الصائم , والمداخلات الاستجوابية ، ومعالم الخرائط الشعرية , وديوان " الخطايا أسئلة" ، وقبل كل ذلك الحائز على الماجستير بتقدير "جيد جدا" عن "الشكوىفي شعر المتنبي" ( لاحظوا.. المتنبي) ! وذلك هو موضوع الأطروحة العلمية للأستاذ العرفج ، تلك الأطروحة التي نوقشت في ليلة ليلاء, يعلم هو قبل غيره تفاصيلها المثيرة ، وللقراء الكرام الراغبين في الاطلاع على تفاصيل تلك المناقشة مراجعة مركز الوسائل التعليمية بجامعة أم القرى والاستماع إلى التسجيل الصوتي لتلك المناقشة "المميزة"!.
ورغم كل ماسبق من دلائل الوعي والتبحر اللغوي لدى صاحب المقالة ، إلا أن حديثه ذاك كان من البدائية والدهشة والتسطيح بحيث يصعب تصور صدوره عن مثله , فضلا عن إمكانية تخيل أن تنعت اللغة من قبله بمثل تلك النعوت ، ولست أعلم إن كان الأستاذ العرفج لم يعثر في كل قواميس اللغة التي زعم في بداية مقالته أنه قام بتصفحها ، على نعوت وأوصاف أليق باللغة , وأكثر ملائمة للذوق من مفردات ذلك المعجم " الحمّامي"- والحمّامي نسبة إلى الحمّام- على غرار" الإسهال" ، " الإمساك" ، " الإخراج"، تلك النعوت التي أصر الأستاذ العرفج أن "يخرج " منها أوصافا للغة في أحوالها المختلفة ، وعلى أية حال فلكل شخص أن يتخير من الألفاظ ما يناسبه , ويعبرعن ذاته, وربما كانت لغة الكتابة في كثير من الأحيان انعكاسا صادقا لظروف الكاتب وما "يعانيه" كيفما كانت تلك المعاناة , والكاتب كذلك هو ابن "بيئته" منها يستمد " لغته" وينسج أفكاره ورؤاه!!
لكنني وللأمانة لم أفهم ما الذي يعنيه الكاتب بوصفه للغة العربية أنها " مصابة بإمساك في الإخراج" ، ربما لأن الكاتب قد " أمسك " عن إيضاح هذه الفكرة , وآثر على طريقة الشعراء أن " يمسك" بالمعنى في "بطنه" وتلك حالة تسمى في اللغة " إمساك الشعراء" وفي ذلك يقول الأستاذ عبدالعزيز السويد في كتابه الساخر" أحيانا" : " كثيرا ماترى بطون الشعراء منتفخة لكثرة ما يتلبد فيها من المعاني " وقد علق الدكتور غازي القصيبي على ذلك في زاويته المتميزة "صوت من الخليج" بالمجلة العربية قائلا وبألم شديد:" صدقت.. سامحك الله"!!
غير الكاتب ورغم " إمساكه" عن شرح الفكرة السابقة ,قد عاد و" أسهل" .. عفوا أقصد " أسهب" في ضرب الأمثلة لإيضاح فكرته عن " إسهال" اللغة ، و" أخرج" أمثلة على ذلك , كالأسد وأسمائه التي تبلغ – على ذمة الكاتب- ثلاثمائة, وأسماء السيف التي تبلغ الخمسمائة " لست هنا متأكدا من الأرقام , وربما كان في الأمر إسهالا رقميا شديدا" ، ورغم أن القضية كانت لغوية صرفة إلا أن الكاتب بدا وقد استهوته فكرة المزاوجة بين واقع اللغة ، والراهن السياسي، ولأجل ذلك عمد إلى "استلاف" لغة محللي السياسة ، وهو الذي أنكر على الكتاب من قبل استلاف لسان القارئ , وعموما فلا تثريب عليه أن يستلف من الألسنة ما يشاء ، طالما أن اللسان العربي المبين في رأيه مصاب بالسفاهة , ومستوجب للحجر!!
وكل الذي يستحق التعقيب في تلك الفقرة" المسيسة " فكرة نضوب آبار اللغة ، والذي يراه العرفج سيكون نتيجة للإسراف في إنفاق الكلمات !!، حسناً سيد "عرفج".. هل تتصور أن لغة قادرة على إنتاج مئات الأسماء الصحيحة ،الدقيقة، المعبرة ، لمسمى واحد ، يمكن أن يتطرق النضوب لآبارها الثرة ؟! .. تلك الآبار التي تنداح مياهها في الأفواه طعام طعم وشفاء سقم، واسأل صديقك المتنبي عمن ابتلي "بفم مر مريض" كيف يجد به مذاق الماء الزلال؟!
وقد كنت أحسبني سأستبضع التمر إلى هجر لو حدثتك عن خصائص هذه اللغة .. عن ذخائر ألفاظها ..عن الترادف .. الاشتقاق .. عن الدقة الفاتنة في رصد أدق التفاصيل ومنحها مسمياتها المقننة ، عن بدهيات كنت أظنها لا تعوز من تصدى للكتابة , وتصدر للحديث عن اللغة , وحاز شهادة عليا في شعر عبقري من عباقرة هذه اللغة ، لكن طالما والحال هذه فإنني أدعوك صادقا أن تدع عنك جانبا كل أسباب الغشاوة الهائلة التي أحسبها تتلبس تفكيرك الآن ، بدءا بحبرك الأصفر، وانتهاء "بالوثيقة " المذكورة ، مرورا بكل الألقاب من "فصيلة" الشاعر، الأديب ، الكاتب، تلك الألقاب التي أرى أن لك منها نصيبا وافرا يقارب نصيب الأسد من المسميات في لغة العرب –مع فارق التشبيه طبعا- ولا أعلم إن كان ذلك يدخل في باب "إسهال" الألقاب أم لا؟! فإذا ما تركت ذلك جانبا ، فالبدار البدار بالعودة إلى نقطة الصفر، وتفاصيل البدء الأولى .. "ألفية ابن مالك" مثلا.. "شذا العرف".." أهدى سبيل"، وإلا فلا أقل من " النحو الواضح" و" و"الإملاء والترقيم لعبد العليم إبراهيم", فإن ثقل عليك العلم فلا بأس بشيء من الاستجمام مع "نوادر الحمقى والمغفلين" وبخاصة قصة الهر، كثير الأسماء ،قليل المنفعة، عديم البركة!!.
بقيت نقطة أخيرة تتعلق بتساؤل العرفج عن المسميات الأعجمية على واجهات المحال التجارية ((لماذا ترى أغلب المراكز تحمل اسم سنتر/ مول / بلازا / سيتي/ ... الخ ، لما تخترقنا هذه الأسماء رغم أن المالك عربي ومن ظهر عربي...)) ويستبعد العرفج هنا نظرية المغلوب والغالب , ويشخص في الأمر مرضا مجهولا يكشف كنهه وأعراضه إلا عالم كابن خلدون !! ، والمسألة في تقديري ليست بحاجة إلى ابن خلدون ولا إلى هبنقة ، المسألة باختصار شديد أن اللغة باتت من الهوان على أهلها بحيث لا يجد حتى المختص بها غضاضة في أن يقذفها بأوصاف السفاهة والجهل , ويرشقها بقواميس مستمدة من الأوحال , ومنتقاة من أماكن لا يجد إلهامه بها إلا كل شيطان مريد, فإذا كانت هذه حال " الأديب" المختص , ذي القلم "السيال", فكيف يكون الحال إذا بعامة الناس ممن لا تعدو اللغة بالنسبة لأكثرهم أن تكون كلمة هو قائلها , لا يجد لها مذاقا ولا يعرف لها قيمة , وهم على ذلك معذورون بجهلهم ، وليست جريرة من يستحسن رطانة الأعاجم مقلدا وجاهلا, كمن يجاهر باستحسانها ، وهو محسوب على أهل اللغة , ومعدود في الشعراء , ومنتم رسمي لعوالم "الخيل والليل والبيداء", ويحفظ عن ظهر قلب 
لك يا منازل في القلوب منازل أقفرت أنت وهن منك أواهل
ويحفظ كذلك " الأبيات التي تلي هذا البيت"
إن المشكلة ليست مشكلة لغة اتسعت لتستوعب معجزة سماوية خالدة, ولن تقصر أو تعجز عن احتواء ما دون ذلك ، المشكلة هي و بإيجاز شديد كما لخصها شاعر النيل 
ولدت ولما لم أجد لعرائسي رجالا وأكفاء وأدت بناتي
المشكلة مشكلة الرجال .. الرجال الأكفاء.. رحم الله الرجال .. ورحم الأكفاء



محمد الراشدي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق