الثلاثاء، 29 نوفمبر، 2011

ليلة الْقَبْض عَلَى الْحَقِيقَةِ.. !

ليلة الْقَبْض عَلَى الْحَقِيقَةِ.. !

أحمد عبد الرحمن العرفج


كل دعاة المثالية هم أقل مما نتوقع، وأيسر مما نتخيل، لذا لا تنخدع كثيراً بأمانة الأمين، وصدق الصادق، ونشاط النشيط، وإخلاص المُخلص، وجدية الجاد! فالحقيقة هي ما نرسمه، والواقع هو ما نصنعه.. كلنا نكره الظلم، ولكن لا يمكن أن نتخلص منه على نحو من الأنحاء، وقد أدرك ذلك شاعرهم المتنبي حينما قال:
وَالظُّلْمُ مِنْ شِيَمِ النُّفُوسِ فَإِنْ تَجِدْ
ذَا عِفَّةٍ فَلِعِلَّةٍ لاَ يَظْلِمُ!
والبيت يشير إلى أن ترك الظلم رجع إلى علة (مرض) في نفس صاحب العفة الرافض للظلم! والعلة قد تكون الخوف، أو الغباء، أو العجز (إنما العاجز من لا يستبد)! ولم تأت الشرائع ـ كل الشرائع ـ إلا لتحجيم الفسق، والحد من الفجور، والدفع بالتي هي أقوى، لكل من يحاول الإفساد والإجرام في البر والبحر!
لنتكلم بوضوح: نحن لا نعشق الحقيقة، ولا نهوى الحرية، بقدر ما نعمل على ترويج بضائعنا الفكرية، وسلعنا الرمزية مثل (الفضيلة، الصدق، الصراحة، الأمانة، العدل، الاستبداد)! نحن لا نعشق المثالية والكمال والتواضع، وإلا كيف نُفسر أن شاعراً عربياً كبيراً كـ(نزار قباني)، لا يتوقف عن مهاجمة السياسيين المستبدين، والحكام المهرولين، وعندما يسأل عن أحوال الشعر العربي يجيب: لا أرى شعراء من حولي! إنه الصراع على نفاذ الأسماء، ورواج المنتجات من الدواوين والقصائد! وعندما يُسأل ـ افتراضاً ـ عن جمهورية الشعر العربي، من سيكون رئيسها؟! أجاب بأنه لن يكون غيره!
ويسوق صديقنا الأديب الساخر عبد الرحمن المعمر مثالاً آخر بحركات المُعارضة في الوطن العربي، التي تُطالب بتجديد الدماء في الحكومات، بينما ترفض التجديد في صفوفها، فتجد زعماءها يُحنّطون في مناصبهم، وإذا نازعهم أحد عليه، استعملوا كل الوسائل ليحولوا دون ذلك!
لقد أعجبت بناقدنا العربي الكبير علي حرب، عندما قال في هذا الشأن: (إنني أتخلى عن نرجسيتي في التعامل مع دقائق القطاع الثقافي، بمعنى أنني أعتبر نفسي مُنتجاً للبضائع الفكرية، وعاملاً في حقل هو ساحة للصراع بين المُنتجين الآخرين، على الأسواق ومناطق النفوذ، هكذا أقرأ النقد الموجه لأعمالي، إنه الصراع على المصداقية والمشروعية)! حسناً هل أوضح أكثر؟!
إذاً سأقول، كما يقول غيري ممن يحاولون فهم ما يجري، وتدبر ما يقع.. إن الحقيقة هي انخراطنا في العالم المُعاش، وقدرتنا على تغيير علاقتنا بالواقع المُشاهد، من خلال تغيير علاقتنا بأفكارنا، وأول هذه الأفكار فكرتنا عن (الحقيقة)، لأنها علة العلل، ولا أعتقد أن شعباً في العالم يستخدم مفردة (الحقيقة) مثل الشعب العربي، وقد أحصيت على كاتب محلي في مقال واحد تكراره لهذه الكلمة أكثر من عشرين مرة!
إن الحقيقة التي نُكثر الكلام حولها، ونزج بحمولتها الدلالية في كل سياق، ليست شيئاً نتمثله، أو نقبض عليه، بل أن مثل هذا المفهوم للحقيقة، لا يُنتج سوى الانغلاق والاستبداد والاستبعاد، لذا فالأحرى القول إننا نقيم علاقات مع الحقيقة، من خلال ما نصنعه وننجزه، أو نُحسن أداءه، بهذا المعنى ليست الحقيقة من مهماتنا في أي عصر، أو نموذج أو أصل، وإنما هي قدرتنا على أن نتغيّر عما نحن عليه باستمرار، لغةً وفكراً، خطاباً وممارسة، لكي نخرج مخرجاً أكثر قوة وثراءً ومعرفة، سواء من حيث علاقتنا بذواتنا، أو بالغير والعالم!
تروي كتب التراث أن فقيهاً وُجد يبكي على باب، وعندما سُئل عن سبب بكائه قال: إنني منذ ثلاثين عاماً أومن بقضية فقهية معينة، واليوم اكتشفت خطأها، فقال له أصدقاؤه: قل الحمد لله الذي أزال عنك الغشاوة، واكتشفت الخطأ، فقال: ولكنني اليوم أومن بقضية أخرى، فمن يضمن لي أنني لن أكتشف خطأها بعد ثلاثين عاماً أخرى؟!
وقبل ذلك قام أفلاطون بإجراء تجربة رائدة، من خلال عرض فيل كبير الحجم على مجموعة من العميان، وقال لهم: هذا فيل، فقالوا له: وما الفيل؟! فقال: تحسسوه بأيديكم! فبدأ كل واحد منهم يتلمس، فمنهم من لمس الرأس، ومنهم من لمس الخرطوم، ومنهم من لمس القدم، لذا أضحى كل واحد منهم يعرف الفيل بما لمسه، فمنهم من قال إن الفيل هو الذّنَبْ، ومنهم من قال إنه رجل كبير، ومنهم من قال إنه حيوان ضخم، وبدأوا يتخاصمون في تعريفه، مع أن الفيل كان كل ما ذكروا وأكثر، وكل منهم وضع يده على جزء من الصورة، وكان الخطأ الوحيد الذي ارتكبه كل فرد منهم، أنه ظن ما يقوله هو الحقيقة، في حين أن كل واحد منهم يصف ما وصل إليه من الصورة، أو (الحقيقة)، ومن يدعي أنه يملك كل الصورة أو (الحقيقة)، لا يخدع إلا نفسه، ولا يُضيع إلا وقته، ولا يسحق إلا تفكيره!
وأتذكر في هذا الشأن أن بعض الأخوة الصحفيين في الاتحاد السوفييتي (البائد) سمّوا إحدى صحفهم (البرافدا)، وتعني باللغة الروسية (الحقيقة)، فرد عليهم الجانب المعارض، بأنهم قد استنبطوا تكذيب الناس لهم، فاختاروا الحقيقة، لأنهم يريدون أن يفرضوا الكذب بوصفه صدقاً وحقيقة، ولكن الأيام أثبتت أن صحيفة (الحقيقة) ليست أكثر من أكاذيب مُجمّعة!
فادِّعاء الحقيقة، لا يأتي دائماً بنية حسنة، ولو كان كذلك يُصبح طريقاً معبداً إلى الجحيم، هكذا تقول حقائق الحياة، ومن لم يدرك هذه الحقيقة، يصبح ضحية جهله!
إن الأمر هذا، وأعني البحث عن الحقيقة بالنوايا الحسنة، غير بعيد عن بدايات الاكتشافات والاختراعات، وانعطافات القدر الجذرية، فقد خلص أحد الباحثين إلا أن (الهدف من اختراع جوتنبرغ للمطبعة كان لتشجيع فضيلة العبادة، من خلال القراءة الأوسع للإنجيل، وليس إثارة الغرائز الأدنى، من خلال المطبوعات الإباحية، أو كتب مثل «كفاحي» لهتلر! ونظر شتروجر إلى سنتراله التلفوني الأول تحديداً من زاوية تحسين أداء نشاطه التجاري، وليس بوصفه أكثر أدوات التحول الاجتماعي فعالية على الإطلاق! ولم يكن بوسع الأخوين رايت أن يتخيلا أن طائرتهما الصغيرة التي حققت حلم الإنسان في محاكاة الطيور، ستُطور إلى القاذفة الشبح، أو أنها ستصبح أحد عوامل التقليص الأساسية لمساحة القرية الكونية! وما كان السيد بنز ليتصور الحوادث والوفيات والبؤس، أو حرية الحركة التي ستأتي بها السيارة! وحقيقة الأمر أن بنز وفورد والرواد النوويين الأوائل، نذروا أنفسهم للبحث عن طاقة رخيصة وفعالة، وليس لنشر سرطان الدم، وهيروشيما، وتوازن الرعب)!
إن طفولة الفكرة الأولى وتجسيدها، وبذرتها الافتتاحية، تكون نبيلة، تدعو إلى الفضيلة، وتسمو إلى الخدمة الإنسانية، ولكن أهل الشر لم يتركوا لأهل الخير طريقاً! إن العالم (الحقيقي) الذي تمناه أصحاب الاختراعات المذهلة، التي غيرت مجرى الدنيا، وبدلت سبيلها، كانوا يطمحون إلى أن يكون العالم أكثر وعياً، وأكبر قدرة على المشاركة في حل مشاكله، وتقليص متاعبه! وإذا سلمنا بأن المعرفة الحقيقية تعني الإدراك والتصور السليم للأشياء، يجب علينا أن نسلم بتوزيع الهموم، وتقسيم الصعاب بين البشر، الأمر الذي يُشجع الجميع للمساهمة في حلها، أو على الأقل الحد من تفاقمها! ولكن هل هذه هي الحقيقة الكاملة؟!
إن الحياة في مجمل تفاصيلها، تحتاج إلى قدر كبير من إساءة الظن، والابتعاد عن المثاليات التي لا تجدها إلا في كتب الفلاسفة، والمسلسلات (التمثيلية)، التي تتقمص الخيال، ولا تؤمن بالواقع!
لست من السذاجة حتى أتعامل مع الأشياء بنية حسنة وفطرة بيضاء، ودوافع نقية من الشوائب، فأنا أدرك مثل من أدرك أن (لا عمل بلا سمسرة، ولا معرفة بلا سلطة، ولا إنتاج بلا تسويق، ولا تجارة من غير احتكار، من هنا ينبغي إعادة الأمور إلى نصابها، فالمحامي ليس محققاً همه كشف الحقيقة، بل مهمته الأولى هي الدفاع عن موكله، وإلا لما كان محامياً، لذا فله سياسته في التعامل مع الحقيقة! والمهندس ليس رسولاً من رسل الحرية، وإنما هو تقني يوظف خبراته، وهمته الأولى هي ابتكار التصاميم التي توازن في الأبنية والعمارات والمنشآت! وعالم النفس ليس رجلاً من رجالات الخير، وإنما هو أيضاً خبير يهتم بدرس آليات الوعي، وقواعد السلوك، ودوافع التصرفات، وليس لنا أن نطلب منه أن يكون مُناضلاً ضد مجتمع الاستهلاك)!
يجب أن نعترف أن:
كُلَّ مَنْ فِي الْوُجُودِ يَطْلُبُ صَيْداً
غَيْرَ أَنَّ الشِّبَاكَ مُخْتَلِفَاتُ!
لذلك لا أرى فرقاً كبيراً بين مخترع الطباعة، وبين المحامي الذي يدافع عن موكله، فلقد تعددت الطرقات والغاية واحدة!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق