الأحد، 27 نوفمبر، 2011

مَا لَم يُنشر عَن عَام البَنْشَر ..!


الثلاثاء 15/11/2011
أحمد عبد الرحمن العرفج
تَاريخ العَرَب لا يَبتعد عَن النَّكبَات، ولا يُغادر مَنطقة المَعارك والمُناوشات، أو المَصائب والكَوارث والتَّطاحُنَات.. هَذه هي الفِكرة البَارزة التي تَستحوذ عَلى ذِهن مَن يَقرأ كُتب التَّاريخ، ويَتتبَّع سيرة الجُغرافيا..!
وحتَّى يَكون المَقال مُتخماً بالشَّواهد، مُكتنزاً بالفَوائد، مُشبعاً بالدّهون الثَّقافيّة، التي تَقتنص الشَّوارد والفَرائد، أضرب مَثلاً بنَفسي، طَالماً أنَّ الآخرين يَتحسَّسون مِن كَافة صنُوف الضَّرب..!
عِندما أسأل: مَتَى تُوفي وَالدي -رَحمهُ الله رَحمةً وَاسعة-؟ يُقال لي: بَعد «سَنة الجُدري» بعشرين سَنة، أمَّا إذَا سَألت: مَتى التَحق شَيخنا الفَيلسوف «عبدالرحمن المعمّر» بالوَظيفة؟ فيُقال لَك: بَعد سيل الربوع بعَام..!
وإذَا كُنتَ مَمَّن يَعشق الحَوادث والكَوارث الطَّبيعيّة، فإنَّك -حَتماً- ستُطرب للأعوَام التي تُؤرَّخ بِهَا، فهُناك العَام المَشهور المُسمَّى بـ»عَام الحُزن»، الذي يُعدُّ مِن المَراحل الفَاصلة للمُصطفى -صلّى الله عليه وبَارك-، وقَبل عَام الحُزن بِمَا يَربو عَلى نِصف قَرن يُؤرَّخ جنُون «أبرهة الحَبشي» بـ»عَام الفِيل»، وحِين حَلَّت بأهل مَكَّة جَائحة الفَقر، وانتشَار الجوع سُمِّيت تِلك السَّنة بـ»عَام الجوع»، وللإنصَاف فإنَّ المَائة عَام الأُولَى كَانت تُؤرَّخ بـ»النَّكبات والمَصائب»، باستثنَاء عَام 40هـ، عِندَما تَصالح الصَّحابة –رضوَان الله عَليهم، وسُمِّي «عَام الجَماعَة»، الذي سَقط سَهواً في خِضَمِّ أعوَام «الرَّمادة والجوع، والحُزن والعُسرة»..!
كُلّ ذَلك حَدَث مُنذ قرُون خَلَت، لَكن المُحيِّر امتدَاد إهمَال أو إغفَال تَدوين الأحدَاث حَسب التَّاريخ «المَعلوم» في قرُون مُتأخِّرة، حيثُ صَدرت رواية للأستاذ «موسى النقيدان» تَحمل عنوان «سَنة الهَدام»، وعنوَان الرّواية يُغني عَن الكَلام، وهُناك «سَنة الغَرقى»، و»سَنة الجرَاد»، و»سَنة الجُدري»، و»سَنة السّيل»، هَذا عَلى مستَوى التَّاريخ المُنتشر بَين النَّاس..!
أمَّا عَلى مستَوى تَاريخ الأُسر، فكُلّ أُسرة تَتذكّر شَيئاً، وأتذكّر أنَّنا سَافرنا مَرَّة مِن المَدينة المُنيرة إلى بريدة الوَثيرة، وأدركَنا الأخ «بَنشر»، فذَهبنا إلى مَحل «البَنشر» -أو العَجلاتي كَما يُطالِب بتسميته أعضَاء مَجلس الشّورى- وبَعدها عُرفت تِلك الرِّحلة في تَاريخ أُسرتنا الصَّغيرة بـ»سَنة البَنشر»..!
كَما أتذكَّر أنَّني عِندَما كُنتُ طِفلاً أبيع وأشتري، جَمعتُ دَراهم مَعدودات، فمَا كَان مِن أحد الأشقياء إلَّا أن سَرقَها، فبَكيتُ بُكاءً مُرًّا استمرّ أيَّاماً، فأطلَقَت أُسرتي عَلى تِلك السَّنة «سَنة بُكاء أحمد»..!
حَسناً.. مَاذا بَقي؟!
بَقي القَول: إنَّني أتقبّل التَّاريخ بنَكباته، والأعوام بطَامّاتها، والسَّنوات بمُنغّصاتها، فنَحنُ أُمَّة اعتدنا الحُزن «الكَربلائي، والمَائي، والبرمائي»، ولَم يبقَ لي إلَّا أن أتقدَّم بسُؤال إلى «صَديقنا اللغوي» الدّكتور العَزيز «عبدالعزيز الحربي»، ليُبيّن لَنا الفَرق بَين «العَام والسَّنة»، وهَل هُما وَجهان لكَارثة وَاحدة؟! أم أنَّ كُلًّا مِنهما يَحمل مَعنىً وفَائدة..؟!!!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق